سهيلة عبد الباعث الترجمان
435
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
أفناك عنك في الأشياء أشهدك إياه محرّكها ومسكّنها ، وإذا أفناك عنك وعن الأشياء أشهدك إياه عينا ، فإن غفلت . . . فما أفناك عنك ، فلا تغلط ، وهذا هو فناء البقاء ويكون عن حصول تعظيم في النفس " « 1 » . وهكذا تختلف وحدة الشهود عن وحدة الوجود ، فإذا كانت وحدة الوجود لا تحصل إلّا بالكشف والذوق الوجداني ، فإن وحدة الشهود حال أو تجربة يعانيها الصوفي ، فليست هي علم ولا عقيدة ولا دعوى فلسفية يحاول البرهنة عليها أو فرضها على الغير ، بل هي معاناة ينتج عنها الفناء الذي يصل به الصوفي إلى مشاهدة آثار الألوهية في غيبته عن كل ما سوى اللّه ، وهي ما عبّر عنها الشّبلي بالفناء عن الإنيّة بانعدام الشعور بالذات « 2 » . وقد تتفاوت درجة المشاهدة بين الصوفية ، فمنهم من يعبّر عن شهوده بمعيّة الحق ، ومنهم من يعبّر بقبليته أو ببعديته لرؤيته ، فإذا قال أحدهم ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه معه أشار إلى النوع الأول لأنه شاهد آثار اللّه ظاهرة في الخلق ، وهو الإيمان الصادق ، وإذا قال الآخر ما رأيت شيئا سوى اللّه ، أو كما قال ابن عربي : فما نظرت عيني إلى غير وجهه * ولا سمعت أذني خلاف كلامه « 3 » فإذا كانت هذه إشارة إلى الشهود القائم على المحبة للذات الإلهية ، فإن الشهود الأول يرى الآثار الإلهية ومظاهرها ، على حين يكون الثاني غافلا عنها لا يرى سوى اللّه ، وطريقه في ذلك كشفي ذوقي ، على حين اعتمد الأول طريق العقل والبرهان ، ومن هنا جاء قول أبي يزيد : حججت مرة فرأيت البيت ولم أر صاحبه ، وحججت ثانية ورأيت البيت وصاحبه ، وحججت ثالثة فلم أر البيت ولا صاحبه ، وهذه هي حيرة المشاهدة ، إذ أن سبب الحيرة في اللّه تعالى طلب معرفة ذاته بأحد الطريقين : إما بطريق الأدلة العقلية ، وإما بطريق تسمى المشاهدة ، فالدليل العقلي يمنع من المشاهدة ، والدليل السمعي قد أومأ ( أشار ) إليها وما صرّح ، والدليل العقلي منع من إدراك حقيقة ذاته من
--> ( 1 ) ابن عربي ، كتاب التجليات ( الرسائل ) ، ص 49 . ( 2 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التصوف الثورة الروحية في الإسلام ، ط القاهرة ، ص 185 . ( 3 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 604 .